استهدفت هذه الدراسة التعرف إلى تأثير العولمة على الثقافة العربية بإتباع المنهج التحليلي القائم على تحليل الأدب والدراسات النظرية لموضوع العولمة والثقافة والمجتمع العربي.
تاثير العولمة على الثقافة العربية
د. محمد صايل نصرلله الزيود
أستاذ مساعد ورئيس قسم الإدارة التربوية والأصول
كلية العلوم التربوية/ الجامعة الأردنية- عمان/ الأردن
ملخص:
استهدفت هذه الدراسة التعرف إلى تأثير العولمة على الثقافة العربية بإتباع المنهج التحليلي القائم على تحليل الأدب والدراسات النظرية لموضوع العولمة والثقافة والمجتمع العربي.
وكان من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن العولمة تمثل تحدياً حقيقياً للثقافة والهوية الثقافية العربية، عن طريق انتشار الكثير من المظاهر المادية والمعنوية التي لا ترتبط بالثقافة والهوية الثقافية العربية لدى كثير من أبناء الشعب العربي، بالإضافة إلى أن العولمة أدّت إلى صبغ الثقافة العربية بالثقافة الاستهلاكية، وإلى تعميم استخدام اللغة الانجليزية على حساب اللغة العربية من خلال ازدياد استعمال اللغة الانجليزية في الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والتأليف، وإلى تحوّل الثقافة العربية إلى ثقافة مضمونها تفضيل الكسب والإيقاع السريع والتسلية الوقتية وإدخال السرور على النفس وملذات الحس وإثارة الغرائز، ممّا أدّى إلى تراجع دور الأسرة، وتفكّك بنيتها، وفقدان الأسرة لقدرتها على الاستمرار كمرجعية قيمية وأخلاقية للناشئة. وأثرت العولمة على الثقافة العربية من خلال اختفاء العديد من العادات والتقاليد فالتواصل وصلة الرحم وزيارات الأقارب تبدلت وأصبحت في حدود ضيقة بفعل الانشغال بالربح المادي.
كلمات مفتاحية: عولمة، ثقافة، مجتمع عربي.
المقدمة:
الثقافة هي روح الأمة وعنوان هويتها، وهي من الركائز الأساسية في بناء الأمم ونهضتها، فلكل أمة ثقافٌة تستمدّ منها عناصر بقائها ومقوماﺗﻬا وخصائصها، وتصطبغ بصبغتها فتنسب إليها، وكلّ مجتمع له ثقافتُه التي يتّسم ﺑﻬا، ولكلّ ثقافة مميزاﺗﻬا وخصائصها. وعرف العالم الثقافة العربية الإسلامية عندما استلم العرب زمام القيادة الفكرية والثقافية والعلمية للبشرية في القرن السابع للميلاد، واستمروا في مركزهم المتميّز إلى القرن الخامس عشر، ولمّا تراجع العرب والمسلمون عن مقدمة الركب الثقافي العالمي، ودبَّ الضعف في كياﻧﻬم، وتوقفوا عن الإبداع في ميادين الفكر والعلم والمعرفة الإنسانية، انحسر مدُّ ثقافتهم، وغلب عليهم الجمود والتقليد، وضعفوا أمام تيارات الثقافة الغربية العاتية التي أّثرت بقوةٍ في آداﺑﻬم وفنوﻧﻬم وطرق معيشتهم. إن الثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية وهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفًا وثقافة، صار حاذقًا خفيفًا فطنًا، وثقَّفه تثقيفًا سوَّاه، ومنها تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. والثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب، ولكنها نظريٌة في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالًا، وبما يتمّثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعبٌ من الشعوب، وهي الوجوه المميّزة لمقوّمات الأمة التي تتنماز ﺑﻬا عن غيرها من الجماعات بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ، والسلوك والمقدّسات والقوانين والتجارب، وفي الجملة فإن الثقافة هي الكلُّ المركَّب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات. وتتميّز الثقافة بأنها ظاهرة إنسانية، أي أﻧﻬا فاصل نوعيُّ بين الإنسان وسائر المخلوقات، لأﻧﻬا تعبيرٌ عن إنسانيته، كما أﻧﻬا وسيلتُه المثلى للالتقاء مع الآخرين وأﻧﻬا تحديدٌ لذات الإنسان وعلاقاته مع نظرائه، ومع الطبيعة، ومع ما وراء الطبيعة، من خلال تفاعله معها،وعلاقاته ﺑﻬا، في مختلف مجالات الحياة وهي قوام الحياة الاجتماعية وظيفًةً وحركًةً، فليس من عمل اجتماعي أوفنّي جمالي أوفكري يتم إنسانيًا خارج دائرﺗﻬا، كما أﻧﻬا عملية إبداعية متجدّدة، تُبدع الجديدَ والمستقبليَّ من خلال القرائح التي تتمّثلها وتعبّر عنها، وأﻧﻬا إنجازٌ كمّيٌ مستمر تاريخيًا، فهي بقدر ما تضيف من الجديد، تحافظ على التراث السابق، وتجدّد قيمه الروحية والفكرية والمعنوية، وتوحّد معه هويَة الجديد روحًا ومسارًا، وهذا هو أحد محركات الثقافة الأساسية، كما أنه بُعدٌ أساسٌ من أبعادها (التويجري، 1998).
إن الثقافات الإنسانية، بهذه الأهمية وهذه المفاهيم وهذه الخصائص وعلى مرّ العصور، كانت عرضة للتأثر والتغيير والغزو بفعل عوامل متعدّدة داخلية وخارجية، والثقافة العربية في هذا الإطار ليست استثناءً فقد واجهت في السنوات الخمس عشرة الماضية تحدياً من نوع جديد قادماً من الخارج ومدعوماً بوسائل وآليات وقوى ذات نفوذ غير مسبوق، ويعرف هذا التحدي بما أطلق عليه ظاهرة العولمة، التي ارتبط ظهورها باتساع دائرة النقاش حول مستقبل النظام العالمي في أعقاب الحرب الباردة، أو بالأحرى فقدان التوازن الذي حكم العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فانهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن يعني للولايات المتّحدة الأميركية مجرد التخلص من منافس أيديولوجي فحسب، وإنما يعني انتصاراً حاسماً ونهائياً لمشروع الرأسمالية التاريخي الهادف إلى تسييد العلاقات الرأسمالية في إطار من الهرمية الدولية، التي تقف الولايات المتحدة الأميركية على رأسها، وتستطيع معها صناعة عالم جديد قائم على الإلحاق والتبعية. وتحتدّ دائرة النقاش والجدل الواسع في أوساط المفكرين والباحثين بشأن التغيّرات السريعة الجارية في العالم على كلّ مستويات السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والإعلام، وبالتحديد حول شيوع العولمة (Globalization) كمصطلح وفكر، بغية الاتفاق إلى حدّ ما على سمات نظامها وتحديد أهدافها وتنسيق وسائلها (الهاشمي، 2003).
ليست العولمة ظاهرة جديدة ولا هي وليدة الوقت الحاضر، إنها ظاهرة نشأت مع ظهور الإمبراطوريات في القرون الماضية. ففي ما مضى حاولت الإمبراطوريات مثل الإمبراطورية الرومانية والفارسية أن تصبغ الشعوب التي تبسط نفوذها عليها بثقافتها، وتسعى لترسيخ هذه الثقافة في مختلف جوانب حياة هذه الشعوب، كما عملت هذه الإمبراطوريات على توجيه فهم هذه الشعوب وتقاليدها وفق أنماط الحياة التي تريدها، فكانت هذه الخطوة الأولى نحو العولمة. وظهور العولمة- بحسب رأي عدد من الباحثين- يرجع إلى القرن الخامس عشر (عصر النهضة الأوروبية الحديثة) حيث التقدم العلمي في مجال الاتصال والتجارة، ويدلل أصحاب هذا الرأي على رأيهم بأن العناصر الرئيسية في فكرة العولمة تكمن في ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم، المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال أو في انتشار المعلومات والأفكار، أو في تأثر أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم (الشكري، 2006).
وتتنوع الآراء التي تفسر وتبيّن نشأة العولمة وجذورها، ومنها الرأي القائل بأن جذور العولمة تعود إلى مشروع مارشال Marshall)) الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية كمرحلة أولى في ظهور العولمة، والذي نتج عنه ظهور اتفاقية (بريتون وودز) والتي تأسّس بموجبها صندوق النقد والبنك الدوليان لتحقيق الاستقرار المالي، إضافة إلى إنشاء (الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة العام1947)، أو ما سمّيت لاحقاً بـ (اتفاقية الجات GATT) (الخزرجي،2004). أما المرحلة الثانية لنشأة العولمة فقد بدأت في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تزايدت التكتلات الاقتصادية والمناطق الحرة والاتحادات الجمركية وتحرير حركة التجارة العالمية. في حين تمثلت المرحلة الثالثة بانهيار الاتحاد السوفييتي، وتحوّل بعض جمهورياته إلى اقتصاد السوق، وشهدت هذه المرحلة أيضاً إنشاء منظمة التجارة العالمية العام 1995، حيث وصل عدد الدول المنضمة إليها (137 دولة) في عام 2001 (الخزرجي،2004).
إن النشأة الحقيقية للعولمة، تبدأ مع استخدام العلم في المجتمع، ثم تبّني الحداثة والتكنولوجيا، وبعد ذلك تبّني ما بعد الحداثة، أي ببزوغ الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات، وازدياد النزعة الإنسانية وحقوق الإنسان. ويؤرخ لها في هذا الاطار في الفكر الحديث بمرحلتين، الأولى بدأت منذ 1800-1900، واستخدمت فيها السيارة والقطار والهاتف، ثم تليها المرحلة الثانية وبدأت منذ 1900، وتطورت فيها ثورة المعلومات وثورة الاتصالات التي ما زالت تتعاظم. ففي المرحلة الأولى تحول العالم من عالم كبير إلى عالم متوسط، وفي المرحلة الثانية تحول العالم من عالم متوسط إلى عالم صغير بفضل تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات والمواصلات (الخوالدة، 2003).
إن عدم الاتفاق بين الباحثين والمفكرين حول أصل نشأة العولمة رافقه عدم اتفاق بينهم حول تعريف العولمة لاختلاف زوايا النظر إليها، فالسياسيون يعتقدون أن العولمة هي ظاهرة انتهاء الحدود الجغرافية السياسية بين الدول، وميلاد حكومة عالمية واحدة يمتّد أثرها على الناس وهم في دولهم المختلفة، حيث تسهم في تدعيم الحقوق السياسية للأحزاب وحقوق الإنسان وحريته أينما يكون، على اختلاف الدول التي ينتمي إليها في الواقع. والاقتصاديون يعتقدون أن العولمة هي حرية الاقتصاد وانتقال رؤوس الأموال الضخمة، وإقامة الشركات العملاقة وحرية التجارة وانتقال الأموال والسلع والخدمات بين دول العالم من دون قيود تذكر، لأن الشركات لم تعد تنتمي إلى هوية دولة بعينها فهي شركات بلا هوية وتنتج للعالم كله. وأصحاب الثقافة يرون أن العولمة هي ثقافة واحدة تطغى على ثقافات الشعوب الأخرى، فتتعرض الهوية الثقافية الذاتية إلى الجمود والضعف، وبالتالي استلاب الهوية الذاتية وذوبانها في ثقافة العولمة الجديدة، لأنها أصبحت الثقافة الوظيفية التي تلبي احتياجات الإنسان في واقع الحياة. والاجتماعيون يعتقدون أن العولمة تعزز لاطبقات الاجتماعية، وزيادة الفروق بين الطبقات وتعميق البطالة بين الناس، والفقر وانحسار الضمان الاجتماعي، والصراع بين العروق في الدول الإقليمية. والإعلاميون وأصحاب تكنولوجيا المعلومات يرون أن العولمة هي توجه المنظومة الإعلامية والاتصالية إلى الجمهور العالمي عن طريق الفضائيات الهوائية المتصلة بالقنوات التلفزيونية، وانتقال المعلومات عبر شبكة عالمية من "بروتوكلات لجعل العالم قرية كونية صغيرة تتبادل المعلومات بشفافية " (الخوالدة، 2003). ومن الناحية الأيديولوجية: تعبّر العولمة بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم من خلال لجوئها إلى الإعلام، لإحداث التغيرات المطلوبة وخلق قوة هيمنة إقليمية تكون حليفة أوتابعة لها، وإضعاف قوى الهيمنة الإقليمية الساعية إلى تحقيق استقلالية تامة (الهاشمي،2003 ).
ومن المعتقد على نطاق واسع في مختلف المجتمعات بصورة عامة وفي المجتمع العربي بصورة خاصة، أن العولمة تمثل تحدياً حقيقياً للثقافة والهوية الوطنية؛ وهذا يعود إلى انتشار الكثير من المظاهر المادية والمعنوية التي لا ترتبط بالثقافة والهوية الثقافية العربية لدى كثير من أبناء الشعب العربي، لذلك جاءت هذه الدراسة للتعرف على تأثير العولمة في المجتمع العربي اعتماداً على الأدب والدراسات التي تناولت العولمة والثقافة والمجتمع العربي؟
أسئلة الدراسة:
سعت هذه الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: ما تأثير العولمة في الثقافة العربية؟
منهجية الدراسة:
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التحليلي القائم على جمع وتحليل الأدب والدراسات التي تناولت العولمة والثقافة العربية والمجتمع العربي.
حدود الدراسة:
اقتصرت هذه الدارسة على تناول التأثير السلبي للعولمة على الثقافة العربية ولم تتطرق للآثار الإيجابية للعولمة على الثقافة العربية باعتبار أن الآثار السلبية أكثر وأعمق وهناك حاجة ماسة إلى معرفتها ووضع الخطط والمقترحات لتجاوزها.
نتائج سؤال الدراسة: ما تأثير العولمة في الثقافة العربية؟
إن العولمة ظاهرة جديدة قديمة، وتستمد خصوصيتها من تطورات فكرية وقيمية وسلوكية عدّة برزت بشكل واضح خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، ويأتي في مقدمة هذه التطورات انفتاح الثقافات العالمية المختلفة وتأثيرها وتأثرها ببعضها البعض، ولم يحدث في التاريخ أن أصبحت الثقافات والحضارات- بما في ذلك أكثر المناطق الثقافية انعزالاً- منفتحة ومنكشفة بقدر ما هي منفتحة ومنكشفة حاليا،ً ومثل هذا الانفتاح الثقافي يحدث للمرة الأولى في التاريخ (أبولبده، 2005). وتتجلّى مظاهر تأثير العولمة في الثقافات بالتطور الهائل في تقنيات وسائل الاتصالات والمعلومات، كالفضائيات والإنترنت، وما رافق ذلك من سرعة انتشار المفاهيم والقيم والأفكار عبر القارات من دون قيود، والحرية الكاملة في انتقال المعلومات والأفراد. وانتشار الثقافة الاستهلاكية الماديةً، بحيث أصبح العالم مقبلاً على رموز الثقافة الاستهلاكية ومعطياتها، التي غدت رائجة في العالم وموجودة في كلّ مكان وفي كلّ المجتمعات (الغرايبة، 2002).
وغني عن البيان أن تأثير العولمة على الثقافة العربية يظهر من خلال ما تفرضه العولمة عليها من تحدّيات غير مسبوقة، تدفعها إلى أن تعيد تأمل إمكاناتها لاكتشاف مدى قدرتها على الحركة في عالم ليس من صنعها، ولا تملك سوى مواجهته بكلّ تناقضاته، دافعها إلى ذلك حرصها على الوجود الفعال في هذا العالم الذي يجاور ما بين أقصى مظاهر التقدّم وأقسى مظاهر التخلف، وتتراوح المواقف العربية تجاه العولمة بين أولئك الرافضين الذين يدقون ناقوس الخطر وما يتضمّنه ذلك من محاولات الانكفاء الذاتي، وبين التوفيقيين الذين يتطلعون إلى (التواصل الثقافي)، وليس من شك في أن الثقافة العربية تتعرّض لخطر كبير بفعل ظاهرة العولمة، إذ تمثل العولمة الثقافية أخطر التحديات المعاصرة للثقافة العربية، وهذه الخطوة لا تتأتى من الهيمنة الثقافية التي تنطوي عليها العولمة فحسب، وإنما من الآليات والأدوات التي تستخدم لفرضها. فالعولمة ظاهرة تلغي الدولة والوطن والأمة، وتسهم في القضاء على الهوية القومية والوطنية، علما ًبأن الوسائل المستخدمة لتحقيق أغراضها هي تدفق المعلومات عبر الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية وشبكات الإنترنت والتطور السريع فيها وثورة المعلومات، ومكمن الخطر هو في طمس الهوية والخصوصية الثقافية العربية، واجتثاث الثقافة العربية وتغييبها وإحلال الثقافة الأميركية محلها (المعمري، 2001).
ويظهر تأثير العولمة من تعلق فئة الشباب العربي بمظاهرها لوجود فراغ ثقافي لديهم، ناتج عن انعدام التخطيط العلمي لغرس الثقافة العربية في نفوسهم، في مقابل وجود أدوات ضخمة للثقافة الغازية متمثّلة بالإعلام الأميركي بكلّ رموزه من هوليوود حيث صناعة السينما، إلى التلفزيون الأميركي حيث صناعة الخبر، وصولاً إلى الصحافة الأميركية حيث صناعة الرأي العام وفق المصالح الاميركية (دراوشة، 2003). كذلك يظهر تأثير العولمة من الانتشار الواسع والسيطرة على أذواق الناس في العالم، فالموسيقى الأميركية والتلفاز والسينما، من مايكل جاكسون إلى رامبو إلى دالس، أصبحت منتشرة في مختلف أنحاء العالم، كما أن النمط الأميركي في اللباس والأطعمة السريعة وغيرها من السلع الاستهلاكية انتشرت على نطاق واسع في المجتمعات العربية (سالم، 1998).
ونستذكر في ها السياق الصناعات الثقافية الموجهة للأطفال من برامج كرتون ومسابقات وأغان تحمل الفكر والقيم الغربية والتي لا تعزز قيمة عربية أو إسلامية واحدة، وتقدّم إلى الطفل العربي مترجمة أو مدبلجة أو كما هي معدّة بشكل علمي مدروس، على أيدي خبراء في الإعلام والثقافة والتكنولوجيا المتقدمة، بحيث تعمل على تسطيح عقل الطفل، وتدمير قدرته على المحاكمة، وهدم القيم الإنسانية التي تمثلها وجدانياً، ثم تعمل على تزييف انفعالاته ومشاعره وأحاسيسه وإثارة غرائزه البدائية والبهيمية، وتحوّله إلى مجرد طاقة استهلاكية عبثية مدمرة مستلبة الهوية والإرادة (وطفة، 2006).
ويظهر تأثير العولمة على اللغة العربية من خلال طغيان اللغة الإنجليزية على حساب العربية في الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والترجمة والتأليف، ويخيل للسامع أن اللغة العربية قد عجزت مفرداتها عن التعبير الصحيح السليم للصور والمشاهدات، وقد أثبتت دراسة (الأردنيون والغزو الثقافي) أن ما نسبته (3.2%) من السكان فقط يشاهدون القناة الأردنية الفضائية، ومن مظاهر العولمة في التربية والتعليم انتشار المدارس التي تدرس باللغة الإنجليزية وازدياد أعدادها سنة بعد سنة واعتمادها على مناهج غير عربية (العايد، 2002)، فعلى سبيل المثال هناك مساحة واسعة للبرامج التلفزيونية الأميركية على القنوات العربية الأرضية والفضائية، حتى أن هناك قنوات فضائية عربية لا تبثّ إلا الافلام والمسلسلات الغربية وعلى رأسها الامريكية، إلى جانب تبني العديد من القنوات الفضائية العربية برامج غربية شكلاً ومضموناً من مثلSuper star, star academy, tara ta ta, top ten، إضافة إلى استعمال المصطلحات الإنجليزية بكثرة أثناء الكلام باللغة العربية.
كما أن العولمة أدّت إلى انتشار مظاهر اللباس الغربي لدى الرجل والمرأة، العربية وخصوصاً لدى فئة الشباب حتى أصبح عنوان لباس المرأة العربية هو الخلاعة والتبرج، ولبس ملابس تحمل علامات الماركات العالمية وصوراً لممثلين ومطربين غربيين.
لقد أدت العولمة إلى صبغ الثقافة العربية بالثقافة الاستهلاكية، فأصبح مجتمعنا العربي تستهويه الثقافة الاستهلاكية، لذلك فهو حريص على أن تتحول حياته إلى رحلة لا يأخذ فيها كتاباً ولا ورقة، بقدر ما يحرص على تعبئة عقلة ووجدانه بنزعة استهلاكية مدمرة، كي يصبح مجمل حديثه عن آخر ما نزل في الأسواق من الهواتف النقالة، والوسيلة التي تمكنه من اقتناء سيارة حديثة وجهاز كمبيوتر، متطوّر أو أنه يقضي معظم حياته وهو يلعن الفقر الذي لم يتح له الفرصة في أن يكون كائناً استهلاكياً، يقتني أحدث الماركات المعتمدة في عالم الساعات والعطور والملابس الجاهزة.
فالثقافة العربية تحولت تدريجياً إلى ثقافة مضمونها تفضيل الكسب السريع والإيقاع السريع والتسلية الوقتية، وإدخال السرور على النفس وملذات الحسّ وإثارة الغرائز، هي ثقافة (الجريء والجميلات)، إنها قمع وإقصاء للخاص بعد اختراقه وهذا الاختراق إنما يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم الذي هو الإدراك (الصغير، 2005).
لقد أدّت العولمة إلى تراجع دور الأسرة، فقد شهد عصر العولمة تفككاً في بنية الأسرة، ولعل مما يشير لهذا التفكك فقدان الأسرة لقدرتها على الاستمرار كمرجعية قيمية وأخلاقية للناشئة، بسبب مصادر جديدة لإنتاج القيم وتوزيعها، وفي مقدمتها الإعلام المرئي، فضلاً عن تخلي المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الناشئة، وإظهار طاقاتها في الإنتاج المادي على حساب " صناعة الإنسان"، كلّ ذلك أدّى إلى غياب البيئة الصالحة التي تنشأ فيها القيم وتنمو فيها الأخلاق الإنسانية، والنتيجة هي أجيال من الشباب الضائع الحائر الذي يفتقد إلى الحب والحنان والانتماء، هذا ولا يتوقف دور الفضائيات وثقافة الصورة عند هذا الحدّ، فمن خلال السينما والتلفزيون والفضائيات، يجد المتفرج أمامه أنماطاً سلوكية جذابة ومغرية، فالمرأة العصرية مثلاً يعتمد جزء أساسي من عصريتها على ملاحقة الموضه المتجددة في الأزياء سنة بعد سنة، بل موسماً بعد موسم حتى بدا خبراء الأزياء أكثر اهمية من علماء الطاقة النووية وربما أكثر بكثير(بلقزيز، 1998).
ويظهر تأثر الثقافة العربية بالعولمة من خلال ما يبثّ عبر شبكات التلفزة والإنترنت من أفلام جنسية ومواد إعلامية تروج الفاحشة والرذيلة. فالثقافة العربية المحافظة والقائمة على احترام المرأة وعفتها تقابلها مرحلة تقبل على المستوى الرسمي والشعبي لاستخدام جسد المرأة أداة نفعية مادية؛ وذلك بتضخيم الجانب الشهواني؛ باستخدام المرأة سلعة يمكن تسويقها من خلال العروض التلفزيونية والإعلانات، واعتبار المرأة آلة لتسويق السلع الاستهلاكية لمستحضرات التجميل والأزياء، ومسابقات ملكات الجمال.
ويظهر تأثير العولمة على الثقافة العربية كذلك، باختفاء العديد من العادات والتقاليد، فالتواصل وصلة الرحم وزيارات الاقارب تبدلت، وأصبحت في حدود ضيقة جداً بفعل الانشغال بالربح المادي وسيادة النزعة المادية والنفعية والمصلحة. إضافة إلى انتشار الجريمة بصور وأشكال متعددة ومتنوعة، فمن الجريمة الاخلاقية إلى الجريمة الاقتصادية إلى الجريمة البدنية وهذه أصبحت جزءاً من واقع الحياة المعاشة في المجتمعات العربية، ويعود ذلك إلى التقليد والمحاكاة وما يبث عبر الآلة الإعلامية الغربية الأميركية التي تنشر ثقافة الجريمة والعنف بهدف السيطرة والربح المادي.
كذلك يظهر تأثير العولمة بانتشار الكثير من الامراض الاجتماعية كالخيانة، والزواج العرفي، وعقوق الوالدين، والعلاقات غير الشرعية بين الجنسين، ويعود ذلك إلى سيطرة الآلة الإعلامية وما يبثّ فيها بهدف الربح والكسب المادي.
ويبرز تأثير العولمة في اللامسؤولية والاستهتار لدى فئة الشباب العربي، وسعيهم وراء إشباع رغباتهم وحاجاتهم المادية والبيولوجية، والبعد عن الإبداع والتجديد والتميّز في الفكر والإنتاج ويعود ذلك إلى غياب دور الأسرة التربوي والإرشادي نتيجة لانشغالها بأمور جانبية وشكلية.
ويظهر تأثير العولمة في شيوع الاتكالية والاعتماد على الآخر من غير العربي في المجتمعات العربية، وخصوصاً في الميادين الدقيقة، فاغلب ما هو موجود في المجتمع العربي مستورد من الخارج من أبسط الأمور إلى اعقدها، ومن التقنية والتكنولوجيا إلى الأيدي العاملة والخبراء والمخططين والشركات المتخصصة في حقول العلم والمعرفة والتنقيب والتعدين والبناء، وهذا أدّى إلى اتكالية واستبدال لمكونات الثقافة العربية بمكونات ثقافة العولمة القائمة على المادية والربحية والإباحية والترويج للجريمة والعنف والمخدرات.
ويظهر تأثير العولمة في تراجع الانتماء للأمة والقومية العربية لدى المواطن العربي من خلال إذابة هذا الانتماء واستبداله نظرياً بالانتماء للمجتمع الإنساني، الذي استوجب تغيير وتبديل ملامح الثقافة العربية القائمة على اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد المشتركة.
كما يظهر تأثير العولمة ببروز التبعية الثقافية للعديد من المفكرين والمثقفين والأكاديميين والمؤسّسات العربية، للثقافة الغربية وللمؤسّسات الثقافية الغربية، حتى شاع في العالم العربي تفضيل خريج المدارس والجامعات الغربية، وتفضيل من يجيد اللغة الإنجليزية حتى لو كانت لغته العربية غاية في الضعف وهذا الاتجاه يشيع على المستوى الرسمي وغير الرسمي.
وتظهر آثار العولمة في شيوع الثقافة السطحية المتمثلة بالرقص والطرب وسيطرة الفنانين والمطربين والراقصين على حياة المواطن العربي، فعدد القنوات الفضائية العربية التي تتخصص بهذا المحتوى بالمئات بينما عدد القنوات العربية التي تتخصص بالشأن الثقافي الهادف والمرتبط بالثقافة الأصيلة والجودة في الأدب والفن محدود جداً، وهذا يقابل ما تبثه المؤسّسات الإعلامية الغربية لمجتمعاتها من ثقافة مادية سطحية، وبذلك تتوحد الثقافة التي تبثّ للمواطن العربي مع الثقافة التي تبثّ للمواطن الغربي.
بشكل عام يظهر تأثير العولمة في خفوت المشاعر الدينية التي تأمر بالفضيلة والمعروف، وتراجع القيم العربية الأصيلة، كالنخوة والشجاعة والوفاء بالعهد، نتيجة مزاحمتها من قبل ما تبثّه العولمة من قيم زائفة ودخيلة على تاريخ أمتنا وتراثها الحضاري والفكري.
الخلاصة
في ضوء ما سبق من تحليل لبعض الدراسات والأدب المتعلق بالعولمة والثقافة العربية والمجتمع العربي، فإن الدراسة تخلص إلى أن العولمة تركت تأثيراً سلبياً بالغاً على الثقافة العربية ومن أبرز مظاهر هذا التأثير:
- شيوع الاتكالية والاعتماد على الآخر من غير العربي في المجتمات العربية وخصوصاصاً في الميادين الدقيقة.
- تراجع الانتماء للأمة والقومية العربية لدى المواطن العربي من خلال إذابة هذا الانتماء واستبداله نظرياً بالانتماء للمجتمع الإنساني.
- شيوع الثقافة السطحية المتمثلة بالرقص والطرب وسيطرة الفنانين والمطربين والراقصين على حياة المواطن العربي.
- التبعية الثقافية للعديد من المفكرين والمثقفين والأكاديميين والمؤسّسات العربية للثقافة الغربية وللمؤسّسات الثقافية الغربية.
- شيوع الاستهتار لدى فئة الشباب العربي وسعيهم وراء إشباع رغباتهم وحاجاتهم المادية والبيولوجية والبعد عن الإبداع والتجديد والتميّز في الفكر والإنتاج.
- انتشار الكثير من الأمراض الاجتماعية كالخيانة، والزواج العرفي، وعقوق الوالدين، والعلاقات غير الشرعية بين الجنسين.
المراجع:
- أبو لبدة، وفاء، (2005)، أثر العولمة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الوطن العربي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
- بلقزيز، عبد الإله، (1998)، العولمة والهوية الثقافية، المستقبل العربي،20(229):91-99.
- التويجري، عبد العزيز، (1998)، الثقافة العربية، عن الإنترنت: http://www.isesco.org.ma/pub/arabic/takarabia.page5.htm، تاريخ الدخول: 14/1/2008.
- الخوالدة، محمد، (2003)، مقدمة في التربية، (ط1)، عمان، دار المسيرة.
- الخزرجي، ثامر، (2004)، العولمة وفجوة الأمن في الوطن العربي، (ط1). عمان، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.
- سالم، بول، (1998)، الولايات المتحدة والعولمة، مجلة المستقبل العربي، 20(129)، 78-90.
- الشكري، علي، (2006)، حقوق الإنسان في ظل العولمة، (ط1)، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع.
- الصغير، أحمد، (2005)، التعليم الجامعي في الوطن العربي: تحديات الواقع ورؤى المستقبل،(ط1)، القاهرة، عالم الكتب للنشر والتوزيع.
- العايد، حسن، (2002)، المجتمع الأردني ما بعد العولمة، (ط1)، عمان، دار وائل للنشر والتوزيع.
- الغرايبة، مازن، (2002)، العولمة والثقافة، أبحاث اليرموك، 18(2ب)،610- 615.
- المعمري، حمد، (2001)، العولمة والدولة القطرية: الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
- الهاشمي، مجد، (2003)، العولمة الدبلوماسية والنظام العالمي الجديد، (ط1)، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع.
- وطفة، علي، (2006)، ثقافة الطفل العربي في زمن التحديات، عالم الفكر، 34 (3)،187- 238.
جميع حقوق النشر محفوظة - مؤسسة الفكر العربي - 2013
